فخر الدين الرازي
71
المطالب العالية من العلم الإلهي
المقدمة في بيان معاقد ضبط هذا الباب اعلم أنا إذا أردنا إثبات موجود لا تحكم بوجوده حواسنا ، ولا تحكم بوجوده أيضا فطرة « 1 » نفوسنا وعقولنا ، فهذا مما لا سبيل إليه إلا بطريق واحد ، وهو أن يحكم عقلنا الصريح بأن هذه الموجودات التي نحكم بوجودها بحسب حواسنا ، وعقولنا ، محتاجة إما في وجودها ، أو في وجود صفة من صفاتها إلى وجود موجود غائب عن حواسنا وأوهامنا ، وبهذا الطريق يتمكن العقل من إثبات ذلك الموجود الغائب . إذا عرفت هذا فنقول : منشأ الحاجة إما الإمكان ، وأما الحدوث ، وإما مجموعهما ، فهذه أحوال ثلاثة وهي إما أن تعتبر في الذوات أو في الصفات ، فللمجموع طرق ستة : أولها : إمكان الذوات . وثانيها : إمكان الصفات . وثالثها : حدوث الذوات . ورابعها : حدوث الصفات . وخامسها : مجموع الإمكان والحدوث في الذوات . وسادسها : مجموع الإمكان والحدوث في الصفات . فهذه هي الطرق التي يمكن الاستدلال بها على إثبات موجود واجب الوجود لذاته وهذا تمام الكلام في هذه المقدمة .
--> ( 1 ) فطرتنا وعقولنا ( س ) .